محنة و منحة
تم نشره منذ 2024-09-19 | حاز على 155 مشاهدة
( لويس برايل )
أخبرتني أمي بأن والدي ركضَ وهتفَ هكذا بأعلى صوته في شوارع مدينة كوبفراي الفرنسية فرحاً بولادتي ، طبعاً لا أذكر ذلك ، وتقول أيضاً بأن الشمس دخلت بيوت جميع الناس يومها ، طبعاً أنا لا أذكر ذلك أيضاً ، لطالما عشقت مراقبة الشمس وهي تسحب خيوطها عند المغيب ، وعشقت رؤية النحلات وهي ترتشف رحيق الأزهار ، وعشقت كذلك قضاء الوقت مع أبي في مشغل تصنيع الجلود ، كل ما في حياتي كان مشعاً برّاقاً زاهياً بالألوان ، ولكن كل شيء تغير.
ذات مرة وأنا في المشغل أخذتُ ألهو بمثقابين وجدتهما هناك ، رحت أركض وأقفز في المكان فزّلت قدمي وتعثرت ووقعت و أصاب المثقاب عيني فانطفأت وبُهتت الألوان رويداً رويداً ، لأن المثقاب أصاب الشبكية ، فالشبكية تعتبر بنية أساسية للعين و هي مسؤولة عن نقل المعلومات البصرية من خلال العصب البصري إلى الدماغ لإدراك الرؤية .
وبعد مدة انطفأت العين الثانية بسبب عدوى أصابتها ، وصارت كل الألوان سوداء كالليل ، فأخذتُ أحاور نفسي لويس : كيف سأتنقل وأنا لا أبصر ؟ كيف سأمشي دون أن أتعثر والظلام يلفني ؟
وفي إحدى الأيام دخل أبي البيت فرحاً وقال لي (والد لويس ) : صُنعت لك هدية.
قلت له ( لويس ) : حقاً.
أمسك أبي بيدي لألمس هديتي .
قلت له ( لويس) : إنها عصا يا أبي أليس كذلك ؟
أجابني (والد لويس) : بلا يا صغيري.
فقلت ( لويس) : وماذا سأفعل بعصا؟
قال لي : ستفعل الكثير ثم بدأ يعلمني كيف أمشي باستخدامها ، صُرت أتنقل في أنحاء المدينة دون أن أخشى الوقوع ، شعرت بأن الحياة تبتسم من جديد .
في المدرسة شجعني أساتذتي على التعلم ، وشجعوا والديَّ أيضاً ، فكانوا يكرروا لي كلمات محفزة : ( لويس عبقري ، لويس ذكي ، .... إلى آخره ).
جاءت السيدة رينيه وقالت : ( يجب أن يحصل لويس على تعلم أكثر )، حتى إنني حصلت على منحة تعليمية من معهد للمكفوفين اليافعين في باريس ، وانتقلت إلى العاصمة لأكمل تعليمي هناك ، تغيرت حياتي ، تعرفت إلى الموسيقى التي كانت بمثابة خيطٍ من النور شجعني على التعلم أكثر ، تعلمت وتفوقت وقرأت باللمس كل الكتب التي صممت خصيصاً للمكفوفين ، وكان عددها قليلاً جداً لأن تصميمها صعب للغاية ، وصرت مدرس في المعهد مع إني لم أبلغ 15 من عمري ، اشتقت إلى الشمس وإلى مراقبة النحلات علمتُ جيداً أنني لن أراها يوماً وذلك ما زاد فضولي .
يوماً بعد يوم أردت أن أعرف أين تغادر الشمس عندما تغيب ، وماذا تفعل الزهرات بالرحيق ؟
وماذا اكتشف العلماء من جديد ، كل الأجوبة على أسئلتي كانت موجودة في كتب المبصرين فقط ، وتساءلت ألاَّ يحق للمكفوفين الارتواء من بحور العلم أيضاً ، صرتُ أعمل ليلاً ونهاراً على ابتكار طريقة سهلة لتصميم كتب للمكفوفين ، وفي أحد الأيام زار المعهد ضابط فرنسي اسمه شارل وأخبرني عن ابتكاره طريقة للكتابة اسمها ( الكتابة الليلية) ، وقد استخدمها كطريقة سرية للتواصل مع الجنود ، لم تكن هذه الطريقة سهلة ، ولكنها مهدت الطريق لأخترع كتابة خاصة بالمكفوفين ، تعتمد على تمرير الأصابع على حروف مكتوبة بنتوءات بارزة من واحد الى 6 نتوءات .
صرت أكتب باستخدام طريقتي ، وعلمت طلابي القراءة والكتابة بواسطتها أيضاً ، فكانوا يقولون لي : ( طريقة سهلة يا أستاذ ، أنت بارع ، نستطيع القراءة دون مشقة ) .
في كل مرة سمعت فيها تلك العبارات تذكرت والدي والمشغل ، وتذكرت كذلك الحادثة التي أفقدتني بصري لأنني استخدمت في اختراعي مثقاباً يشبه المثقاب الذي أفقدني بصري ، وتأملت حكمة القدر [ مثقاب أطفأ نور عيني وآخر أنار العالم من حولي ] .